محمد الغزالي
293
فقه السيرة ( الغزالي )
فركبت ، وأخذ برأس البعير منطلقا يطلب النّاس ، فو اللّه ما أدركنا الناس ، وما افتقدت حتى أصبحت ونزلوا ، فلمّا اطمأنوا طلع الرجل يقود بي البعير ، فقال أهل الإفك ما قالوا وارتجّ العسكر ، وو اللّه ما أعلم بشيء من ذلك . ثم قدمنا المدينة ، فلم ألبث أن اشتكيت شكوى شديدة ؛ وليس يبلغني من ذلك شيء ، وقد انتهى الحديث إلى رسول اللّه وإلى أبويّ ؛ وهم لا يذكرون لي منه كثيرا ولا قليلا ؛ إلّا أنّي قد أنكرت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعض لطفه بي في شكواي هذه . فأنكرت ذلك منه ، كان إذا دخل علي وعندي أمي تمرّضني ، قال : « كيف تيكم ؟ » لا يزيد على ذلك . قالت : حتى وجدت في نفسي - غضبت - فقلت : يا رسول اللّه - حين رأيت ما رأيت من جفائه لي - ، لو أذنت لي فانتقلت إلى أمّي ؟ قال : « لا عليك » . قالت : فانقلبت إلى أمّي ولا علم لي بشيء مما كان ، حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة ، وكنّا قوما عربا ، لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف ، التي تتخذها الأعاجم ، نعافها ونكرهها ، إنّما كنّا نخرج في فسح المدينة ، وكانت النساء يخرجن كلّ ليلة في حوائجهن ، فخرجت ليلة لبعض حاجتي ، ومعي أمّ مسطح ، فو اللّه إنّها لتمشي معي إذ عثرت في مرطها ، فقالت : تعس مسطح ؟ فقلت : بئس - لعمر اللّه - ما قلت لرجل من المهاجرين شهد بدرا ! . قالت : أو ما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر ؟ قلت : وما الخبر ! فأخبرتني بالذي كان من أهل الإفك . قلت : أو قد كان هذا ؟ ! . قالت : نعم . واللّه لقد كان ! . قالت عائشة : فو اللّه ما قدرت على أن أقضي حاجتي ، ورجعت ، فو اللّه ما زلت أبكي ، حتى ظننت أنّ البكاء سيصدع كبدي ، وقلت لأمي : يغفر اللّه لك ، تحدّث الناس بما تحدّثوا به ، ولا تذكرين لي من ذلك شيئا ؟ قالت : أي بنية ، خفّفي عنك فو اللّه لقلّ ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبّها ، ولها ضرائر ، إلا كثّرن وكثّر الناس عليها . قالت : وقد قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فخطبهم - ولا أعلم بذلك - فحمد اللّه ، وأثنى عليه ثم قال : « أيها الناس ! ما بال رجال يؤذونني في أهلي ، ويقولون عليهم غير الحقّ ؟ ! واللّه ما علمت عليهم إلا خيرا ، ويقولون ذلك لرجل - واللّه - ما علمت منه إلا خيرا ، ولا يدخل بيتا من بيوتي إلا وهو معي ! » .